ابن الجوزي

69

القصاص والمذكرين

إنّ ( الوعظ ) و ( التذكير ) و ( القصص ) كلّها تندرج تحت معنى واحد هو الدعوة إلى اللّه بالكلام أو الخطابة ويبدو أنّ الاسم الذي شاع في هذه الأيام هو ( التدريس ) و ( الخطبة ) و ( الوعظ ) و ( التوجيه ) و ( الإرشاد ) . وقد سبق أن ذكرت أن هذه العناوين الثلاثة ( الوعظ والتذكير والقصص ) قد تتداخل مفاهيمها والعبرة باستقامتها . وأريد أن أقرر ههنا أن الخطابة والتدريس والوعظ والارشاد جانب من جوانب الدعوة ، وليست هي الدعوة كلها . ويخطئ كثير من الناس عندما يظنون أنّهم أدوا واجبهم في الدعوة إلى اللّه لأنّ أحدهم ألقى درسا في المسجد ، أو ارتجل خطبة في حفل ، أو ألقى موعظة في مجمع . إن هذا الجانب مهمّ ولا يجوز أن يغفل تحت أي شعار ، ولكنه ليس هو الدعوة التي تقوم على تكوين الانسان المسلم وصياغة عقليته التي تنظر إلى تشريعات الاسلام على أنها شيء واحد . وقد يظنّ ظانّ أنّ إفساد القصاص لم يعد موجودا الآن ، وإنما هو أمر تاريخيّ بحت لا يتصل اليوم بواقع الحياة والناس . . وهذا ظن خاطىء بعيد عن الصواب ؛ ذلك لأن هؤلاء القصاص ما زالوا مع الأسف « 1 » موجودين بأسماء أخرى ، ذكرناها آنفا ، يعيثون في الأرض فسادا .

--> ( 1 ) إن هذا الذي نأسف لوجوده يسرّ كثيرا من الذين يبحثون عن أصول القصة من الناحية الفنية ذلك لأن هؤلاء القصاص باختراعهم لقصص دينية أبدعها خيالهم يمثلون الخطوة الأولى لنشوء القصة الفنية .